في الذكرى الأولى لرحيل فقيد الأمة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان
زايد ... حاضر فينا
نحيي اليوم الذكرى السنوية الأولى لرحيل الأب البار بأبنائه والمحب لشعبه وأمته، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه.
واليوم يمتزج إيماننا بقضاء الله وقدره بمشاعر فخرنا واعتزازنا وإكبارنا لصاحب الذكرى، الذي كرّمه الله في حياته بحب الناس والتفافهم حوله، وكرّمه وكرّمنا في مماته بخلود اسمه بين القادة الأفذاذ والمصلحين الكبار، سمعة عطرة وصيتاً ذائعاً ورمزاً باقياً للعمل الصالح الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض.
وها نحن مع فجر كل يوم جديد، نستيقظ ومعنا الشيخ زايد بنهجه وسيرته ووصاياه، نحس بروحه بيننا، ونشعر بمظلته فوق رؤوسنا، وبأفكاره تمدنا بالعزم والتفاؤل، وبصوته يحثنا على العمل وفعل الخير وطلب المعالي، وحين نخلو لأنفسنا يشاركنا الخلوة كأنما هذا الشيخ الجليل الساكن في الضمائر والراقد في الأفئدة مركب من كل النفوس.
بعد عام، وبعد عشرات الأعوام، وإلى أن يشاء الله، ستبقى ذكرى الشيخ زايد وسيرته سائرة بين البشر وخالدة في التاريخ، ليس فقط لإنجازاته المشهودة كقائد فذّ وبانٍ مؤسس وزعيم حمل أمته العربية والإسلامية في قلبه، بل أيضاً لأن فيه الشيء الكثير من سجايا السلف الصالح، فالشيخ زايد من قلة قليلة من الزعماء الذين لم تزدهم الزعامة والإنجازات والجاه والثروة إلا إيماناً بالله واقتداءً برسوله في حب الخير وسلامة القلب وطهارة اللسان وعفة النفس ولين الجانب وبذل المعروف وإغاثة المحتاج والشجاعة في الحق ونصرة المظلوم وممارسة عفو القادرين وتسامح الكرماء وصفح الأقوياء وتواضع الكبار.
وإذ يخفف حضوره فينا بنهجه وسيرته وأبنائه غياب جسده عنا، فإن أمته العربية وعالمه الإسلامي يفتقدانه اليوم أيما فقدان، فقد غاب معه صوت الحكمة في وقت زادت فيه الأحوال اضطراباً، وغاب الرأي الشجاع في وقت زادت فيه القضايا التباساً، وغابت المبادرات الخلاّقة في وقت تزداد فيه الطرق انسداداً.
في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشيخ زايد ندعو له ونترحم عليه ونلتف حول الباقي الكثير منه فينا، ونحمل إرثه في ضمائرنا وعقولنا وننقله لأبنائنا وأحفادنا، ونزرعه غرساً مثمراً تفيد منه وتضيف إليه الأجيال الآتية في وطن زايد وشعب زايد."
"ويا سيدي الغائب الحاضر، لقد أفضت علينا بكرمك في حياتك وفي مماتك، ورفعت شأن بلادنا بين الناس، وأعليت رايتنا بين الأمم، ومنحتنا الأمثولة والقدوة.
ويا سيدي الغائب الحاضر، لقد أفضت عليّ بكرمك، فكان لي والدان، راشد وزايد، وليس بعد هذا الشرف شرف."
"وأكرر في ذكراك ما كنت رددته مرة من قبل:
“خيالك في عيني
وصوتك في أذني
ومثواك في قلبي
فأين تغيب؟”
نضر الله وجهك، وشكر صالح سعيك، وأنعم عليك برضوانه ونعيمه.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
محمد بن راشد آل مكتوم (المصدر: الخليج 1 نوفمبر 2005)
زايد والبيئة
لقد كان للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، ومنذ أواخر الأربعينات من القرن الماضي، رؤية واضحة المعالم لما نسميه اليوم: "التنمية المستدامة" إذ أنّه بدأ التخطيط بهذه الرؤية عندما تولى إدارة منطقة العين (1946) بمشروع رائد لتحديث إدارة الموارد المائية مستخدما النظام التقليدي للأفلاج مع التقنيات الحديثة المتاحة آنذاك. ثم أتبع ذلك بخطط التشجيـر والتخضيـر والتنمية الزراعية. وقد بدأ تعميم خططه على إمارة أبوظبي والتنفيذ الفعلي لها عند توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبـي. ومنع صيد الحيوانـات المهددة بالانقراض، بل أنشأ برنامجا مكثفا لتوليد وتكاثر هذه الحيوانات وخاصة المها العربي الذي كان على حافة الانقراض . كل ذلك كان قبل مؤتمر الأمم المتحدة الأول للبيئة الذي أنعقد في إستكهولم عام 1972 ولم يتبلور مفهوم التنمية المُستدامة على مستوى العالم إلا في أواخر الثمانينات.
كان موضوع حماية البيئة وتنميتها ومواجهة قضاياها من الموضوعات الرئيسية التي طالما حظيتا باهتمام بالغ من جانب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وبرز هذا جليا في برامج وخطط التنمية بأبعادها المختلفة حيث اهتمت الدولة بالآثار الاقتصادية والاجتماعية على البيئية فقامت بالدراسات العلمية وأنشأت المؤسسات والهيئات الخاصة لإدارة وحماية البيئة كما حرصت على رسم الاستراتيجيات البيئية وتحديد أولويات العمل البيئي مثل مكافحة تلوث الهواء وتلوث الماء ومكافحة التصحر وترشيد استهلاك الموارد الطبيعية.
لم يكن الإهتمام بالشأن البيئى والحرص على التنمية المستدامة إهتماما عارضا أو حرصا آنيا لدى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بل كانا وظلا عنصرين دائمين على رأس أولويات سـموه الرسمية والخاصة، تغـذيهما فطرة سـليمة وفكر ثاقب ورؤية حكيمة. ولم يكن الفكر الإنمائى لسموه ولا فلسفته ضربا من الفكر النظرى الأعزل ولا الفلسفة التجريدية، بل صاحبهما منهاج عمل دؤوب متفرد بحكم واقعيته وقدرته على ترجمة هذا الفكر وتلك الفلسفة إلى سياسات واضحة وبرامج ومشروعات، توفر لها الكوادر المؤهلة من خلال خطط التعليم والتدريب و بناء القدرات الوطنية التى أولاها سموه الكثير من عنايته، لتعود خيرا ونماءا على شعب وبيئة دولة الإمارات، ولتصبح دفعا و تعزيزا للدور العربى والإسهام الإسلامى فى جهود تحقيق الإستدامة البيئية إقليميا ودوليا.
هذه الرؤية الثاقبة وإحساس البدوي الأصيل العاشق للبيئة الطبيعية هما اللذان جعلا من صحراء الإمارات جنة غنَاء. وقد أقر العالم أجمع أن ما حدث في الإمارات معجزة بيئية لم تكن لتتحقق دون رؤية واضحة وإرادة لا تعرف المستحيل… فتتابعت الجوائز والشهادات التي مُنحت لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. في ديسمبر عام 1995 منح الشيخ زايد جائزة تقديرية وميدالية ذهبية من منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) تقديرا لجهوده في نشر التنمية الزراعية داخل دولة الإمارات ومساهماته في عدد من الدول النامية في هذا المجال. وتبرع المغفور له الشيخ زايد بتكلفة تدريب وتخريج طلاب وطالبات من برنامج الماجستير البيئي من جامعة الخليج العربي بالبحرين وجاءت هذه المنحة السخية تتويجا لجهود سموه للحفاظ على البيئة والحياة الفطرية وتنميتها ورفع القدرات البيئية للمواطنين الشباب في التحصيل العلمي والاختصاصي الأكاديمي سواء في جامعة الإمارات أو على المستوى الخليجي والإقليمي في جامعة الخليج العربي بالبحرين. ومن الجوائز والأوسمة العالمية وسام المحافظة على البيئة الباكستاني وجائزة إعمال الخليج عام 1966. ومن الجوائز الهامة التي مُنحت له شهادة الباندا الذهبية التى قـلَدها إياه الأمير فـيلـيب – دوق أدنبرة والرئيس السابق للصندوق العالمى للطبيعة WWF وكان سموه أول رئيس دولة يحوز على هذا التكريم العظيم.
وتقديرا لهذه الجهود الجبارة أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة – رئيس مجلس الوزراء - وزير الدفاع - حاكم دبي، بتأسيس جائزة زايـد الدولية للبيئة لدعم وتشجيع الإنجازات البيئية المتميزة بما يتوافق والفلسفة الإنمائية لصاحب السمو الشيخ زايـد بن سلطان آل نهيـان ولمواصلة مسيرة سموه بما يدعم أهداف وغايات جدول أعمال القرن الحادي والعشرين الصادر عن مؤتمر البيئة والتنمية (قمة الأرض) الذى إنعقد بريو دى جانيرو عام 1992م، فى حماية وتحسين البيئة وفاءا بإحتياجات الأجيال الحالية دون الحد من مقدرة الأجيال القادمة على الوفاء بإحتياجاتها الأساسية. وقد امتد دعم جائزة زايد حاليا ليشمل أهداف الألفية وخطة قمة جوهانسبرج لتنفيذ برامج التنمية المستدامة.